فخر الدين الرازي

318

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يكون غير المصدر كما في ضربته سوطا ضربا ، لا يقال : ضربا سوطا بين أحد أنواع الضرب ، لأن الضرب قد يكون بسوط وقد يكون بغيره ، وأما : بُكْرَةً فلا يبين ذلك ، لأنا نقول : قد بينا أن بكرة بين ذلك ، لأن الصبح قد يكون بالإتيان وقت الإسفار ، وقد يكون بالإتيان بالأبكار ، فإن قيل : مثله يمكن أن يقال : في / أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا قلنا : نعم ، فإن قيل : ليس هناك بيان نوع من أنواع الإسراء ، نقول : هو كقول القائل : ضربته شيئا ، فإن شيئا لا بد منه في كل ضرب ، ويصح ذلك على أنه نصب على المصدر ، وفائدته ما ذكرنا من بيان عدم تعلق الغرض بأنواعه ، وكأن القائل يقول : إني لا أبين ما ضربته به ، ولا أحتاج إلى بيانه لعدم تعلق المقصود به ليقطع سؤال السائل : بما ذا ضربه بسوط أو بعصا ، فكذلك القول في : أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا يقطع سؤال السائل عن الإسراء ، لأن الإسراء هو السير أول الليل ، والسرى هو السير آخر الليل أو غير ذلك . المسألة الثانية : مُسْتَقِرٌّ يحتمل وجوها أحدها : عذاب لا مدفع له ، أي يستقر عليهم ويثبت ، ولا يقدر أحد على إزالته ورفعه أو إحالته ودفعه ثانيها : دائم ، فإنهم لما أهلكوا نقلوا إلى الجحيم ، فكأن ما أتاهم عذاب لا يندفع بموتهم ، فإن الموت يخلص من الألم الذي يجده المضروب من الضرب والمحبوس من الحبس ، وموتهم ما خلصهم ثالثها : عذاب مستقر عليهم لا يتعدى غيرهم ، أي هو أمر قد قدره اللّه عليهم وقرره فاستقر ، وليس كما يقال : إنه أمر أصابهم اتفاقا كالبرد الذي يضر زرع قوم دون قوم ، ويظن به أنه أمر اتفاقي ، وليس لو خرجوا من أماكنهم لنجوا كما نجا آل لوط ، بل كان ذلك يتبعهم ، لأنه كان أمرا قد استقر . المسألة الثالثة : الضمير في صَبَّحَهُمْ عائد إلى الذين عاد إليهم الضمير في أعينهم فيعود لفظا إليهم للقرب ، ومعنى إلى الذين تماروا بالنذر ، أو الذين عاد إليهم الضمير في قوله : وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا [ القمر : 36 ] . ثم قال تعالى : [ سورة القمر ( 54 ) : آية 39 ] فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ ( 39 ) مرة أخرى ، لأن العذاب كان مرتين * خاص بالمراودين ، والآخر عام . وقوله تعالى : [ سورة القمر ( 54 ) : آية 40 ] وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 40 ) قد فسرناه مرارا وبينا ما لأجله تكرارا . ثم قال تعالى : [ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 41 إلى 42 ] وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ( 41 ) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ( 42 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما الفائدة في لفظ : آلَ فِرْعَوْنَ بدل قوم فرعون ؟ نقول : القوم أعم من الآل ، فالقوم كل من يقوم الرئيس بأمرهم أو يقومون بأمره ، والآل كل من يؤول إلى / الرئيس خيرهم وشرهم أو يؤول إليهم خيره وشره ، فالبعيد الذي لا يعرفه الرئيس ولا يعرف هو عين الرئيس وإنما يسمع اسمه ، فليس هو بآله ، إذا عرفت الفرق ، نقول : قوم الأنبياء الذين هم غير موسى عليهم السلام ، لم يكن فيهم قاهر يقهر الكل ويجمعهم على كلمة واحدة ، وإنما كانوا هم رؤساء وأتباعا ، والرؤساء إذا كثروا لا يبقى لأحد منهم حكم نافذ على أحد ،